ردٌّ على الزملاء المنتقدين
(ردّ على بعض الزملاء الذين تناولوني أو تناولوا افتتاحيتي 5 ـ 6, 2007 بالنقد)
سماح إدريس
يَصْعب أن أردّ في مقالٍ واحدٍ، وضمن فترةٍ زمنيةٍ قصيرة، على كلّ المقالات التي هاجمت افتتاحيتي في الآداب 5 ـ 6، 2007 ولكنِّي سأحاول أن أمرّ سريعًا على بعضها.
عبد الستّار ناصر. ليس بالضرورة يا أخ عبد الستار أن أعيشَ في الخمسينيات لكي أكتبَ عن الحزب الشيوعي العراقي، وإلاّ لَمَا كتب أحدٌ اليومَ عن الشعر الجاهلي أو الثورة الفرنسية مثلاً! أما "النقطة الكبيرة مع خطّ" فهما لا يقتصران على حديثي عن السيّد كريم، وإنّما وردا أربعَ مرّات في افتتاحيتي؛ وهو ما يُثبت أنّ هذه الأخيرة لم تَتَقصّد زميلَكَ، الذي لم يتجاوزْ كلامي عليه بالمناسبة بضعَ كلمات من أصل ثماني صفحات. ثم إنّني لم أُدِن الذاهبين إلى كردستان ـ العراق أو إلى مهرجان المدى، بل دِنْتُ مَنْ ذَهَبَ مِنْ دون أن ينبسَ ببنتِ شفة عن الاحتلال والمظالم والعيوب التي يتحدّث عنها الأكرادُ العراقيون أنفسُهم وتقاريرُ الأمم المتحدة. ولَفْظا "السرقة" و"العمالة" لم يَرِدا في الافتتاحية مطلقًا كما توحي. و"الآداب"، التي لم تعد تصدِّق أنّها هي المجلةُ نفسُها التي كانت لأبي سهيل، أذكِّركَ بأنّكَ كَتَبْتَ فيها أثناء "عهدي" مراتٍ عدة، ولي منكَ رسائلُ مدح! وأما "الثمن" الذي تَزْعم أنّه أبعدَ "الآداب" عن "قلعتها الشامخة" فهو من قبيل القدح والذمّ الذي سأغضّ الطرفَ عنه، غير أنّني ألفتُ نظرَ القرّاء (ما دمنا نتحدّث عن "الثمن") إلى الخبر التالي الذي ورد على موقع "المدى" بتاريخ 30 ديسمبر: "وَجَّه رئيسُ الجمهورية جلال الطالباني رسالتيْن إلى المبدعيْن الفنّان بدري حسّون والكاتب عبد الستّار ناصر للاطمئنان على صحّتيْهما. وأَوعز طالباني بتغطية تكاليفِ علاجهما، حيث يعاني المبدعان من ظروفٍ صحّيةٍ تستدعي مداخلاتٍ جراحيّةً لكلٍّ منهما."
نعم، سأبتلع الإهانةَ، وسأغضّ الطرفَ، متمنِّيًا لك يا أخي عبد الستّار الشفاءَ العاجلَ ومواصلةَ الإبداع الذي كانت لنا، في مجلة "الآداب" ودارِ الآداب، متعةُ نشره.
حازم مبيضين. لو جَرَتْ مسابقةٌ لصاحبِ "أكبر عدد من الأخطاء في أقلّ عدد من الكلمات" لفاز مبيضين بالجائزة الأولى. فالدعوى المرفوعة ضدّ "الآداب" ليس فيها طلبُ اعتذار، بل نشرٌ للحكم مجّانًا. وسهيل إدريس كان حيّاً يُرزق حين كتب مبيضين مقالته (توفّي الوالدُ بعد 18 يومًا). و"ميثاق الشرف" لم يقترحْ كواتمَ الصوت حلاً، مثلما لم يؤيِّد أن يكون القضاءُ هو الحلَّ الأوحدَ والأخيرَ إلاّ إذا امتنع الناشرُ عن نشر الردّ على ما قد يُعتبر "قدحًا وذمّاً."
وإلى جانب الأخطاء، يَلْفتنا في مقالة مبيضين تباهيه بتنظيم المهرجان الذي كان يمكن أن يعرِّض "850 مثقفًا" لمذبحةٍ قد يشنّها "التكفيريون والصدّاميون." ونقول: اللَّه ستَرَكم أيُّها الزملاء!
كما يَلْفتنا استنكارُه لأنّ افتتاحيتي عن كردستان "لم توفِّر السعودية." ونسأله: لماذا نوفِّرها أصلاً؟ أنظامُها براءٌ من بلائنا العربي، ولاسيّما على مستوى الصحافة والإعلام؟
وأخيرًا، يَلْفتنا تحريضُه السيد كريم على مقاضاةِ جميعِ مَنْ هاجمه. ولكنّنا نسأله: لماذا لم يَفْعل كريم ذلك؟ ولماذا استهدفني دون الآخرين من العراق وفلسطين والمغرب وسورية وتونس والأردن...؟ ولماذا لم تُجِبْ أنتَ بنفسك يا حازم عن السؤال الذي طرحتَه؟
محمد مزيد. يُقارن مزيد ما أكتبُه بالمفخَّخات التي تَقْتل العراقيين. وهذا الذي يقوله، في الحقيقة، ممارسةٌ للإرهاب الفكري بذريعةِ وقف الإرهاب الفعلي. إنّه يستعيض عن المناقشة الفكرية بوضعي في سلالةٍ واحدةٍ مع تنظيم القاعدة، ويتوهّم ذلك كافيًا لإفحامي!
على أنّنا سنلاحظ في الردود، ابتداءً من هذا المقال، بروزَ اللعب على وتر "الوطنية العراقية" في مواجهة الافتتاحية و"الميثاق" والبيانات المتضامنة مع "الآداب". إنّنا، نحن "العرْبان" (هكذا)، نَحْسد الوردةَ العراقيةَ على تفتُّحها، بحسب مزيد، فنتحالفُ مع الظلاميين والمفخِّخين في مواجهته! حقّاً، إنّ الشوفينية "الوطنية" ملاذٌ للعُقْمِ الفكري، وهروبٌ من السِّجال المنطقي.
عبد الرزاق رشيد الناصري. يمتدح الناصري "أيادي [كريم] الكريمة" على الثقافة، ولكنّنا لا نَفْهم صلةَ ذلك "بمساعدة عشرات الشبّان والشابّات على الزواج." كما لا نَفْهم التضحيةَ الكبرى التي بذلها كريم في إصدار "كتاب المدى للجميع" ما دام قد قال (أو زعم) على إحدى الفضائيّات (قناة "العربية") أنّ ذلك لا يكلِّفه شيئًا تقريبًا: فهو يكتفي بـ "تجهيز" الكتاب (أيْ تنضيدِه ووضعِه على قرصٍ)، وإرسالِ القرصِ إلى الجرائد بالبريد السريع، ومن ثم تقوم هذه الأخيرةُ (لا "مؤسسةُ المدى") بطباعة الكتاب على نفقتها الخاصة!
ومقابلَ المديح والتملُّق، يمارس الأخ الناصري شتمًا شخصيّاً نضعه في تصرُّف موكّل السيد فخري المحامي أحمد الزين، وبرسم قاضي المحكمة، ولاسيّما حين يَسْتخدم تعبيرَ "العواء الكريه" في نعتِ ما كتبتُه. على أنّني لا أَطلب مقاضاتَه ولا اعتذارَه طبعًا، لأنّ الشتم يحطّ من قَدْرِه لا قَدْري. وأَمْضي لأُلاحظ أنّه أعاد التذكيرَ بموقف الشيوعيين العرب من الوجودية ومن ترجمة سهيل إدريس لأعلامها، ويُثيرني هنا أن يقتصرَ نضالُ الإنسان في نظر الأخ عبد الرزّاق على "الاستلاب والقهر." يبدو، إذن، أنّ التصدّي للاحتلال لم يعد مهمّاً في نظر الشيوعي "الجديد،" لأنّ أعداءه هم الاستلابُ والقهرُ (والظلاميةُ كما يضيف لاحقًا). وهذا، على كل حالّ، هو الموقفُ المعيب الذي تتبنّاه القيادةُ الرسميةُ في الحزب "الشيوعي" العراقي، وفي بعض اليسار المُتَلَبْرِل عامةً.
أما أنّ سهيل إدريس أَرسل عددًا من "الآداب" إلى العراق وحَذفَ منه مواضيعَ "غيرَ مرغوبة،" فتلك قضيةٌ أجاب عنها سهيل مراتٍ كثيرةً كما أَذْكر، معترفًا بزلَّتِه، ملقيًا بجزءٍ من اللوم على الكتّاب العراقيين أيامَ نوري السعيد: فقد كان هؤلاء يرسلون موادَّهم إلى أبي ويقولون إنّ صوتَهم غيرُ مسموع في الخارج، ونَصَحوه بأن يضع موادّهم ضمن ملزمةٍ تُزال عند إرسالها إلى العراق؛ وبذلك يَضْمنون، كما توهّموا، إسماعَ صوتهم في الخارج من دون أن يؤثِّر ذلك في وصول المجلة إلى الداخل. غير أنّ العدد المذكور مُنِعَ من دخول العراق بسبب روحه المقاومة المبثوثة في ثناياه. وعلى كلّ حال، فقد كان المرحوم د. سهيل من الجرأة الأدبية بحيث أقرّ بزلَّتِه، في حين أنّ الأستاذ عبد الرزّاق يتباهى بوقاحةِ ألفاظه، وبتبريره للاحتلال والانتهازية، وبتغزُّله الفجّ بأولياءِ نعمته.
صلاح زنكنة. يتحدّث الأستاذ زنكنة عن "الأبواق المأجورة،" ويقصد "الآدابَ" وأنصارَها من الموقِّعين والموقّعات على البيانات و"ميثاق الشرف." لكنّه ينسى (ويريد من القرّاء أن ينسَوْا) ما كان قد ذَكَره قبل أربعة سطور فقط عند كلامه على "تخصيص [المدى] رواتبَ للأدباء والفنّانين العراقيين لتجاوز محنتهم في هذا الظرف الصعب...". فلو افترضْنا أنّ "الآداب" مأجورة ـ وبالمناسبة، لِمَ لا تُكشفُ حساباتُ المجلات الثقافية العربية أمام الملإ (وأنا أوّلُ المستعدِّين)؟! ـ فلماذا يكون ما نَقْبضه حرامًا، ويكون ما يَقْبضه العراقيون أو غيرُهم من "مؤسسة المدى" حلالاً؟ وما هو الخيطُ الرفيعُ الفاصلُ بين "تخصيص الرواتب... لتجاوز المحنة" وتخصيص الرواتب لشراء الولاءات؟ وأخيرًا، هل يندرج اتّهامُ زنكنة لنا ولأنصارنا بأنّنا "أبواقٌٌ مأجورةٌ" ضمن القدح والذمّ، أمْ أنَّه يحقّ لكتّابِ "المدى" ما لا يحقّ لغيرهم؟
كاظم الحجّاج. يزعم الأخ كاظم أنّنا نَشْتم العراقيين وأدباءَهم، وأنّنا نَكْرههم مهما كانوا، جاهلاً أو متجاهلاً أنّ "الآداب" كانت (وستبقى ما دامت على قيد الحياة) صوتَ العراق، وصوتَ مثقفيه ومناضليه الشرفاء. نعم، هي لم تكن، ولن تكون، صوتَ المدافعين عن بقاء الاحتلال بحجّة أنّ خروجَه من العراق، كما زعم الحجّاج، "كارثةٌ لأنّ البديل هو دولةُ العراق الإسلامية." أيُّ عارٍ هو هذا القول! فبدلاً من أن يَطْرح اليسارُ والتقدُّميون عامةً برنامجًا متكاملاً لمقاومةٍ وطنيةٍ وتعدّديةٍ وشاملةٍ ضدّ المحتلّ، وضدّ القمع والإرهاب الفكري، ترى الحجّاجَ بنَ كاظم، باسم التقدّميين الجدد، ينضمّ إلى مبرِّري الاحتلال بذريعة الخوف ممّا يزعم أنّه المقاومةُ الحالية. نعم، المقاومة الحالية في العراق، وفي فلسطين، وفي لبنان،... قد لا تكون المقاومةَ المُثْلى التي نريدها، وقد كتبنا الكثيرَ الكثيرَ في ذلك الأمر، ومن الواجب نقدُ المقاومة نقدًا علميّاً ورصينًا بهدف تجذيرها وتطويرها. إلاّ أنَّه ينبغي على من يَنْقد المقاومةَ الحاليةَ أن يمارس المقاومةَ بالطريقة التي يفضِّلها أو يستطيعها (مقاومة اقتصادية، كفاح مسلّح أكثر تركيزًا، مقاومة ثقافية،...). لكنْ أن تكون ثغراتُ المقاومة الحالية، أو ظلاميةُ بعض أطرافها، ذريعةً للمطالبة ببقاء الاحتلال، فذلكم هو عارُ اليسار "الجديد" في العراق ولبنان وفي غيرِ مكانٍ.
فالح عبد الجبّار. الدكتور فالح لم يقرأْ "ميثاقَ الشرف." فالميثاق لا يحرِّم اللجوءَ إلى القضاء كما ذكرنا، وإنّما يقترح ألاّ يلجأ المرءُ إليه إلاّ إذا امتنعت الوسيلةُ الإعلاميةُ عن نشر ردّه. على أنّني ما زلتُ مقتنعًا بأنّني لم أشهِّر، بل إنّ ما قلتُه في افتتاحيتي عن كريم ليس شيئًا مقارنةً بما كتَبه بعضُ رفاقه السابقين، وليس شيئًا مقارنةً بما اقترفَهُ في حقِّي زملاؤه الحاليون الذين نَشَرتُ مقالاتهم في هذا العدد من "الآداب" رغم أنّهم اتّهموني بأنِّي مأجور و... أُمارس العواءَ! وبالمناسبة، هل يجرؤ د. فالح على كتابة مقالٍ ضدّ زميله وضدّ الشتّامين الآخرين؟ وهل يجرؤ على إرساله للنشر في "المدى" و"الحياة"؟
لكنّ الأهمّ هو أنّ عبد الجبّار يلمِّح إلى أنّ ما كتبتُه يُضرّ بالمجتمع المدني و"الحضارات." إذا كان هذا صحيحًا، فكيف يصف ما يرتكبه الأميركيون والميليشياتُ والحكّامُ الحاليون بحقّ الحضارة في العراق؟ عجبًا لليبراليةٍ يَخْدش حساسيَّتَها كلامٌ يتساءل (أسوةً بكلامٍ لعشراتٍ سابقين) عن مصير أموال الحزب الشيوعي العراقي ومجلة "النهج"، ولا يَخْدشها الاحتلالُ والنهبُ والاسترزاقُ والسياساتُ التقسيمية والعِرقية!
عبد الرزّاق الصافي. يتحدّث الصافي عن "المئات" من المثقفين والمبدعين العرب والعراقيين الذين طاوَلَتْهم اتّهاماتي و"سبابي." فأين هم هؤلاء المئات يا صافي؟ في علمي أنّني لم أتطرَّقْ إلاّ إلى ثلاثة مثقفين في ما يخصّ موقفَهم من مهرجان "المدى" (وائل عبد الفتّاح وعبّاس بيضون وأحمد بزّون)، وأوّلُهم وَرَد ذِكرُه في معرض تأييدي النقدي. فهل يَحْسب الصافي أنّه قادرٌ بكذبةٍ حسابيةٍ صغيرةٍ على استعداء "مئات" العراقيين والعرب ضدّي؟
أما أنّني والكثيرين "نعادي الحزبَ الشيوعي العراقي [القيادة الرسمية الحاليّة]، والعمليةَ السياسيةَ الجاريةَ في العراق... وقيادةَ الحركة القومية الكردية" الحالية، فهذا صحيح. فالحزب الشيوعي الرسمي، حزبُ الرفيق فهد، بات اليومَ في رأيي ورأي الكثيرين إحدى المدرَّعات الفكرية للاحتلال الأميركي. وهذا ما يقوله شيوعيون ويساريون ووطنيون عراقيون (وعربٌ) كثيرون أمثال باقر إبراهيم وشوكت خازندار ونوري المرادي وعبد الأمير الركابي وعلاء اللامي وعبد الجبّار الكبيسي وعدنان الطالقاني. وأما القيادة الكردية الحالية، لا الأكرادُ الذين هم رفاقُ الخندق الواحد والشهادة الواحدة في قلعة الشقيف عامَ 1982 وفي غيرِها من مواقع المواجهة المسلّحة مع العدوّ الصهيوني، فهي اليوم حصانُ طروادة المستخدَمُ أميركيّاً للتقسيم، ولتعميقِ الخلافات الكردية ـ العربية، ولتأبيدِ الوجود الأميركي في العراق بحجّة خطر "القاعدة" و"الإرهاب" و"الدولة الإسلامية." أَوَكنتَ تظنّ، يا صافي، أنّ "الآداب" ستؤيِّد مثلَ تلك "العملية السياسية"؟
أما "قيمةُ" المهرجان، فلم تكن ضمن اهتمامات الافتتاحية بالفعل، ولاسيّما بعد أن قَتَلَها الصحافيّون المدعوّون كتابةً ومديحًا (لانقديّاً في معظمه). ما كان يهمّني هو أنّ جُلَّ الذاهبين إلى المهرجان (مع استثناءٍ واحدٍ أو أكثر) لم يتحدَّثوا عن خلفيّات انعقاده: إذ لا يكفي، يا صافي، أن يُعقد مهرجانٌ، أيّاً كانت نجاحاتُه، وأيّاً كانت تحدِّياتُه للمفجِّرين والمفخِّخين، لمجرَّد أن يُعْقد. ولا يُعْقل أن تُغْفَلَ اليافطةُ السياسيةُ التي عُقِد تحتها، وأن يُمتدَحَ راعيه (وهو رئيسٌ "منتخَبٌ" تحت الاحتلال وبرضاه)، ومديرُه (الذي صادفَ "سنواتٍ من الجدل حول أدواره السياسية والثقافية قبل السقوط المدوِّي لصدّام" كما كَتَب وائل عبد الفتّاح في "الأخبار" 12/5/2007). فالمهرجان ليس الموسيقى فقط، ولا الشعرَ وحده، ولا اللوحاتِ الفنيةَ فحسب. بل إنّ هذه كلَّها، أيّاً كان مستواها الرفيعُ (وأرضُ الرافديْن وَلودٌ للإبداع بالتأكيد)، حين تجيَّر منذ البداية للدعاية لنظامٍ يتعاون مع الاحتلال ويكرِّس التقسيمَ ويرسِّخ الممارساتِ العِرقيةَ، تصبح في أحسن الأحوال شيطانًا أَخْرسَ، أو تُضْحي في أسوإ الأحوال للأسف برغيّاً صغيرًا في مصنع "الديموقراطية" الأميركية في العراق. أتذْكر ما كان بعضُكم يقول في مهرجان المربد الصدّامي؟ لم يكن أحدٌ يشكِّك في فحولةِ كثيرٍ من شعرائه المدعوِّين آنذاك، لكنّ ما كنتم (أنتم أو غيرُكم) ترفضونه ـ وبحقٍّ ـ هو أن يغدو مهرجانُ المربد مهرجانًا لصدّام... لا للشعر. فكيف اندثر "وعيُكم النقديُّ" حين راح صدّام وعزيز، وجاء جلال وكريم؟ نعم، هناك فوارقُ بين المهرجانين، ونقدُنا لخلفيّات مهرجان المدى وموقعِه ضمن الخارطة السياسية العراقية الحالية هو من قبيلِ ألاّ يتحوَّل هذا المهرجانُ أو غيرُه، في ظلّ غياب السِّجال، إلى ما انتهى إليه المربدُ.
وبالمثل، فإنّ "رعايةَ زواجٍ جماعي لمئةٍ وأربعين شابّاً وشابةً" عملٌ تُشْكر عليه المدى (أو الحريري أو السيد نصر اللَّه أو الوليد بن طلال أو...)، إلاّ إذا جُيِّر سياسيّاً، كما فعلتَ أنتَ يا صافي، وكما يَفْعل الرعاةُ عادةً (إذ لا شيء لوجه اللَّه كما تَعْلم). فأنتَ لم تكتفِ بتهنئة "العرْسان" بزواجهم، بل فتحتَ النارَ مباشرةً أيضًا على "الإرهابيين من أنصار تنظيم القاعدة" وعلى "أيتام نظام صدّام حسين،" ومن دون أن تَذْكر كلمةً واحدةً عن الاحتلال الأميركي الجاثم على أرضِكَ، وكأنّ مآسي العراق سبَّبتْها "القاعدةُ" وحدَها و"أيتامُ صدّام" وحدهم! نعم، نحن ندين التفجيرات الطائفية، أيّاً كان مَنْ يقوم بها (ولا تُستبعدُ المخابراتُ الأميركيةُ من ارتكابها بالمناسبة، على ما ذَكر جو كوِنْ)(1) وندين تفجير شارع المتنبّي الثقافي وغيرَه. لكنّنا نَرفض الاحتلالَ أولاً وأساسًا، ونفرِّق بين المقاومة الشريفة الهادفة والتفجيرات الطائفية والمذهبية الدنيئة. أليس هذا ما ينبغي أن يكون عليه الوعيُ النقديُّ الحقيقي؟
ثم إنّني لستُ "خائفًا من المحاكمة" يا صافي؛ فأسوأُ ما قد تنتهي إليه هو أن تَحْكم عليَّ بالقدح والذمّ وبنشر الحكم في "الآداب". ما كنتُ سأخافه هو أن أتخلّى عن واجبي الثقافي في فَضْحِ مَنْ يَقْدحون فعلاً، ويذمّون فعلاً، بأمّتنا وبعراقنا... وبذكاءِ القارئ! هذا ما يهمّني أولاً، مع احترامي للمحكمة.
فؤاد التكرلي: ليت التكرلي لم يُنْهِ حياتَه بهذه المقالة. رَحمكَ اللّه أيُّها الروائي القدير، وأربأُ بنفسي عن أن أناقشكَ وأنتَ في العالم الآخر. لكنْ لو تسنّى لك أن تقرأ كلماتي هذه، فحبَّذا لو راجعتَ ما كتبتُه لتتيقّن من أنَّني لا أؤيِّد "أنظمة ديكتاتوريةً تدّعي الصبغةَ الوطنية" (مَنْ تَقْصد؟). ولو قرأتَ افتتاحيتي بشيء من التمعُّن، لرأيْتَ أنّني لم أَفترضْ أنّ الطالباني وكريم مسؤولان مباشران عن تردِّي الوضع في كردستان، وإنْ كنتُ حمّلتُ الحزبيْن الكردييْن مسؤوليةً عظمى عن تدمير كردستان عبر اقتتالهما قبل الاحتلال الأميركي بسنوات. ولو كنتَ حيّاً لسألتُكَ، أيُّها القاضي السابق، عن رأيكَ بالشتائمِ المقذوفةِ في وجهي، وهل كنتَ ستؤيِّد مقاضاةَ مُطْلِقيها؟ ولو كنتَ حيّاً لسألتُكَ لماذا لم يُقاضِ كريم كلَّ مَنْ اتّهمه صراحةً أو عن طريق التلميح، ومِنْ بينهم رشاد أبو شاور الذي كتب قبل سنين: "من أين للرفيق فخري كريم كلُّ هذه الأموال التي يُنفقها على دار المدى، والمهرجانات التي يقيمها؟ ماذا كان يشتغل طيلةَ ثلاثين سنة حتى امتلكَ هذه الثروة؟ أهي مِنْ مردود مؤلَّفاته؟ نجيب محفوظ لم يَعِشْ من مردود أعماله..."
وأخيرًا أيُّها المرحوم، هل نمارس نقدًا حقيقيّاً إنْ نحن التزمْنا عدمَ التشكيك في تمويل الثقافة والمثقفين؟ أليست الشفافيةُ المالية جزءًا لا يتجزّأ من ورشة الثقافة النقدية؟ ألا يفسِّر التمويلُ أحيانًا انقلابَ بعض المثقفين، بين ليلةٍ وضحاها، من تأييد نظامٍ ما إلى تأييدِ نقيضه؟
كاظم غيلان. مضحكٌ فعلاً الأستاذ غيلان. فهو يطالبني بأن أَرعى وأَدعم مشاريعَ المثقفين العراقيين بدلاً من "المدى." وهل تعتقد أنّني قادرٌ على ذلك يا أستاذ؟ الحمدُ للّه أنّ لائحةَ كوبونات صدّام، التي "اكتشفها" فخري كريم بفضل "صديق" للقيصر بريمر كما ادّعى،(2) لم تَشْملني (وربّما ستَشْملني الآن بمفعولٍ رجعيّ). ولستُ ثريّاً كبيرًا، ولا مستشارًا لأحد الرؤساء النفطيين أو غير النفطيين، كي أستطيعَ أن أَصْرف "مِنَحًا" لخمسمئة مثقف عراقي"شهريّاً.(3) ولا أعرف فؤاد جميل، ولا جلال الطالباني، ولا مسعود البرزاني، ولا فاروق مصطفى، ولا "الصديق الرئيس علي ناصر [محمد]،" ولا "الرئيس الراحل حافظ الأسد،" ولا "الفقيد ياسر عرفات" الذين أكّد فخري كريم على قناة "العربية" أنّهم أعطوه (أو أعطوا حزبَه) دعمًا ماليّاً.(4) تأكّدْ يا أخي كاظم أنّ "الآداب"، لو كانت تَمْلك تلك الأموال، لما تردّدتْ لحظةً في رعاية مشاريعكم ودعمكم... بشرطٍ واحدٍ لا غير: ألاّ تتحوّلوا إلى مبخِّرين "لإنجازاتنا،" وإلى مبرِّرين لأخطائنا وخطايانا. فمالُ "الآداب"، إنْ حَضَرَ بغزارة (وأظنُّه لن يَحْضر)، سيكون مكرَّسًا لتعميق الوعي النقدي ("المباح" وغيرِ المباح)، لا لتزييفِ الحقيقة أو تقزيمِها بحجّة "الواقعية."
باسم حمّودي. حمّودي يقول إنّ "رسالةَ "الآداب" في الالتزام" قد انتهت "منذ السبعينيات." لا أَفْهم كيف ينتهي الالتزام؛ فاسمُه يدلّ على أنّه لا ينتهي ما دامَ التطلُّعُ إلى الأفضلِ والأصلحِ هو الهدفَ الدائم. إنّ ما ينتهي، يا أستاذ باسم، هو الاستزلام... ليحلَّ محلَّه استزلامٌ آخر!
أما أنّني دخلتُ عالمَ الثقافة وأنا لا أدري ما أَفعل، فقولٌ صحيحٌ إلى حدٍّ ما. فأنا لم تكن لديّ يومًا، ولاسيَّما في بداية ترؤسي لتحرير "الآداب"، نعمةُ الوثوق بأنّني إنسانٌ ناجح؛ ومشاكلُ "الآداب" الماليةُ خيرُ دليل. لكنّ أبي أورثني شيئًا لن أتخلّى عنه بسهولة: إنّه الإيمانُ بالاستقلال المادي والفكري أولاً، والإيمانُ بضرورة وحدة هذه الأمّة ثانيًا ـ وإحدى الطرق أمام هذه الوحدة هي تجسيرُ الفجوات بين مكوِّنات الثقافة العربية. وبالمناسبة، ما هي "الثقافةُ العراقيةُ" يا سيِّد باسم؟ وأين تفترق عن الثقافة "السورية" مثلاً؟ وإذا كنتَ تعتقد أنِّي أريد أن "أضع اسمًا لي في مجمل حركة الثقافة العربية" عبر الإساءة إلى "الثقافة العراقية،" فلماذا تحقِّقون غايتي، أنتَ وزملاؤك، وتضيِّعون جهدَكم وإبداعَكم في كتابة أكثر من أربعين مقالاً ضدّي وفي إصدار البيانات وعقدِ المؤتمرات؟ لا أعتقد أنّكَ كتبتَ ما كتبتَ لتحقيقِ ما تزعم أنَّه غايتي، وإنّما للإسهام في تحويل الالتفاف الثقافي العربي الحالي حول مجلة "الآداب" إلى التفافٍ "عراقي" حول فخري كريم ورئيسِه. ومن جديدٍ، تتحوّل الشوفينيةُ الوطنيةُ "العراقية" على يدِك، كما على يدِ أمثالك، إلى ملاذٍ للعجز الفكري والتملُّق الفارغ.
فيصل لعيبي: الأستاذ فيصل يُُقِرّ منذ البداية بأنّه لم يكن "من قرّاء "الآداب" منذ صدورها وحتى هذه اللحظة،" وبأنّه يحتفظ "بعددٍ واحدٍ [فقط] من أعداد عام 1956." ومع ذلك فهو يجرؤ على أن يؤكِّد أنّ عشرَ مجلاّت ثقافية (بينها "حوار"!) أكثرُ أهميةً من "الآداب". عجبًا كيف يكون الجهلُ بالشيء طريقًا إلى الهجوم عليه! بل هو يعتبر كلَّ تلك المجلات أكثرَ جذريةً من "الآداب"... وأعتقد أنَّه على حقٍّ ههنا إذا كانت الجذريةُ تعني التجذّرَ في التمويل الأجنبي (شأن علاقة "حوار" "الجذْرية" بـ "مؤسسة حريّة الثقافة" مثلاً) أو التمويلِ النظامي العربي، أو إذا كانت الجذريةُ تعني الانبهارَ بالنظريات "الحداثية" أو الليبرالية المشوَّهة على حساب الواقع الوطني والقومي.
تسألني إنْ كنتُ قد تطرّقتُ سابقًا إلى مهرجانات ثقافية عربية أخرى؟ ولمّا كنتَ لم تقرأْ يا أستاذ فيصل إلاّ عددًا واحدًا من "الآداب"، وكان ذلك بالمناسبة قبل أن أولدَ بعدّة أعوام، فإنِّي أجيبكَ بأنّني مارستُ فعلاً نقدَ المهرجانات والمؤتمرات والندوات مرارًا: في لبنان والأردن ومصر واليمن، وفي موضوعات تناولت الكتابةَ النسائية (بيروت) والانتفاضةَ الفلسطينية (صنعاء) والإصلاحَ العربي (الإسكندرية) والفرنكوفونية (بيروت)... وكان نقدي قاسيًا لبعضها، وبخاصّةٍ مؤتمر الإصلاح العربي الذي عُقِد في الإسكندرية عامَ 2004، إذ عَمَدَ بعضُنا (نبيل سليمان وعبد اللّه الغذامي وأنا وآخرون) إلى إصدار بيانٍ نتحفّظ فيه عن بعض خلاصاته، ولاسيّما إغفالُها الاحتلالَ الإسرائيلي والأميركي وحقّ عودة الفلسطينيين.(5) كما انتقدتُ احتفاليّات "بيروت عاصمةً ثقافيةً"... وهذا وذاك دليلان كافيان على أنّني لم أتقصّد المهرجانَ الذي تُدافع عنه، يا أخ فيصل، دفاعًا يفتقر إلى أيِّ حسّ ثقافيّ نقديّ.
أما لماذا لم أتطرَّقْ إلى مجريات مهرجان المدى في أربيل، فلأنّني لم أُدعَ إليه، ولم أكن سأذهب أصلاً لو دُعيتُ إليه، لا لأنّني لا أذهب إلى العراق في ظلّ الاحتلال، بل لأنّني لا أظنّ أنّني سأستطيع أن أقولَ كلَّ ما أريد قولَه بحريّة ضدّ المحتلّ والمتعاوِن والراعي والمديرِ والميليشياتِ ومكتبِ الموساد!
وتسألني ماذا تعلّمتُ في أميركا؟ كان ذلك قبل زمن طويل يَصْعب تذكُّرُ تفاصيله بدقّة. لكنّ من بين الأمور التي تعلّمتُها يا لعيبي هو أنّ السياسة الأميركية تَسْتخدم أدواتِها ثم تتخلّص منهم عند أول منعطفٍ أو صفقة، وأنّها تحتاج إلى "مُخْبرين محليِّين" وإلى "صحافيين منطمرين" يسهِّلون مهمّتَها ويروِّجون "سرديّتَها" أمام الرأي العامّ في الداخل والخارج. وتعلّمتُ أشياء أخرى قد تجد أثرًا لها في "الآداب" التي أُديرها منذ العام 1992.
ولأنّك لا تقرأ "الآداب"، فإنّكَ تسألني عن موقفنا من الدول العربية التي تقيم علاقاتٍ مع إسرائيل. الجواب الذي يختصر 55 سنةً من عمر "الآداب" هو أنَّنا مع تحرير كامل فلسطين، ومع مقاطعة الصهاينة (الذين تضعهم بين مزدوجيْن سخريةً) حتى اندحارهم عن جميع الأراضي المحتلّة (التي تضعها أيضًا بين مزدوجيْن، كما تفعل ربّما عند الحديث عن احتلال بلدِك نفسِه!) وهزيمةِ المشروع الصهيوني. وأما المقابر الجماعية وحلبجة والأنفال... فقد وَردتْ إدانتُها على صفحات "الآداب" مرارًا، إلاّ أنّها لم تُستخدمْ عندي ولو مرةً واحدةً من أجل تبرير الاحتلال الأميركي للعراق والسياسات الانفصالية والعرقية. إنّ ما تسمِّيه "القطيع" هو مَنْ يَتْبع الراعيَ من دون وعي، ومن دون قراءة: فيبرِّر هنا، ويَشْتم هناك، ويتزلَّف هنالك. وفكرُ القطيع هو "فكرٌ" يَشتم نظامًا سَقَطَ، ويَسْكت عن نظام حَلّ. و"المثقف" القطيعي (نقيض الطليعي) هو مَنْ يَتْبع قيادتَه الحزبيةَ ويَنْعت كلَّ منتقديها بالصدّامية والظلامية. أَوَظَنَنْتَ أنَّك، مع الجزائري وحميد وفخري، وحدَكم الأمناءُ على تراث ماركس ولينين؟ وهل كلُّ مَنْ وقَّعوا "ميثاقَ الشرف" من الشيوعيين وشَجَبوا الدعوى متهافِتون وصدّاميون؟ وماذا تقول، والحالةُ هذه، عن عشرات الشيوعيين واليساريين الذين تزيِّن أسماؤهم الميثاقَ والبياناتِ والكتاباتِ المناصرةَ لـ "الآداب" أمثال: أبو أحمد فؤاد وأحمد جابر وعلي ناصر (من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وسعد اللَّه مزرعاني وماري الدبس وألبير فرحات (من الحزب الشيوعي اللبناني)، وموفّق محادين وهشام البستاني من الأردن، وباقر إبراهيم وعدنان الطالقاني من العراق...؟ كلُّهم خونةٌ للاشتراكية، ووحدكم ـ يا مَنْ سئمتم ممّا تسمِّيه "أسطوانةَ الاحتلال" الأميركي ـ الأمناءُ عليها؟
عبّاس بيضون. مقالةُ الزميل عبّاس، صاحبِ القول الشهير في كردستان ـ العراق بعد "التحرير" الأميركي، "أنا سعيدٌ الآن لأنّني في مؤتمر حرّ على أرضٍ حرّة،" تحتاج إلى محرِّرٍ قدير (بالمناسبة أعادت "المدى" نشرَ مقالة بيضون في مستهلّ حملتها على "الآداب" وعلى الموقّعين المئات الشاجبين للدعوى). فإذا انتهى المرءُ من ذلك، اتّضح له أنّ بيضون يشوِّه "ميثاقَ الشرف" حين صوّره وكأنّه ضدّ القضاء وحكمِ القانون، في حين أنَّ موقِّعي "الميثاق" يريدون أن تبقى الأمورُ ضمن الإطار السِّجالي (الصحافي) "إلاّ في حال تمنُّع الوسيلة الإعلامية عن نشر الرأي المضادّ." بل هو يكاد يَحْسب الرئيس سليم الحصّ والوزير جورج قرم ومئاتِ الموقِّعين الآخرين وكأنّهم من أنصار "فتح الإسلام": أعداءٌ للدولة والقانون، يحرِّضون على الحرب الأهلية والفلتان!
الأطرف أنّ عبّاسًا لا يريد المحاكمَ إلاّ لي وحدي، لا لميشيل كيلو وعارف دليلة مثلاً. لماذا؟ لأنّ المحاكم العربية الأخرى "هي عصًا في يد السلطة الديكتاتورية." حسنًا، ولكنْ إذا كان مؤمنًا بالمحاكم اللبنانية، دون غيرِها من المحاكم العربية، فلماذا يؤيِّد المحكمةَ الدوليةَ لمقاضاة قتلة رفيق الحريري؟
عجيبٌ أمرُ هؤلاء الليبراليين (الثوريين سابقًا). فهم يقولون: حَكِّموا القضاءَ في لسانِ سماح إدريس الفالت (وهو تعبيرٌ مستمدٌّ من مقالةِ ثوريٍّ سابق، هو حازم صاغيّة كما سنرى) لأنّه شَتَمَ الطالباني ومستشارَه في كردستان "الحرّة،" ولكنْ لا تُحكّموا القضاءَ في سوريا لأنّها "ذاتُ سلطة ديكتاتورية." ولكي تستقيمَ ليبراليتُهم المفرِطة، فقد امتنعوا عن نشر "ميثاق الشرف،" في حين نَشَروا رَدَّهم عليه، الأمرُ الذي يخالف أيّ قواعدَ أو أعرافٍ صحافيةٍ أو ليبراليةٍ.
وهذا ينطبق، بدرجةٍ أكبر، على ما فعلتْه الليبراليةُ السعوديةُ، ممثَّلةً بجريدة "الحياة"، حين نَشَرتْ ثلاثَ مقالات للمناضلين الشيوعيين السابقين حازم صاغيّة ودلال البزري وفالح عبد الجبّار تنتقد جميعُها "ميثاقَ الشرف" من دون أن تَنْشره... لا أولاً ولا لاحقًا. وهذا ليس خطأً أو سهوًا في اعتقادي، بل في صميم الليبرالية السعودية: فقد حدَث ذلك معي غيرَ مرة، وآخرُها حين امتنعت "الحياة" عن نشر ردّي على د. أدونيس (الذي كان قد ردّ عليَّ في "الحياة" بسبب الافتتاحية نفسِها). فالرجاء، كلَّ الرجاء، يا أحبابَ الحرية (والقضاءِ اللبناني وحدَه)، أن تكفّوا عن التغنِّي الأجوف بالرأي الآخر. فكيف إذا حظي هذا الرأيُ الآخر بتواقيع مئات الناس؟
سلوى زكّو. الدكتورة زكّو تتذاكى علينا! فهي تطالب أبي (ولم يكن قد فارق الحياةَ بعدُ) بأن يَضْبط "بوصلةَ" "الآداب". ترى، لماذا لم تطالب الزميل فخري كريم بأن يَضْبطَ بوصلةَ كتّابه الشتّامين في "المدى" مثلاً؟ مِنْ جهتنا، نحن لا نطالب أحدًا بشيء، ولم نخوِّن أحدًا؛ فهم أحرارٌ في أن يقولوا ما يشاؤون، ونحن أحرارٌ في أن نردّ أو لا نردّ. كلُّ ما نقوله هو أنّ بوصلتَنا، أيّاً كان رأيُهم فيها، واضحةٌ منذ تأسيس "الآداب" عامَ 1953 إلى العام 2008 وما بعد بعد الـ 2008 (بالإذن من السيّد حسن نصر اللّه). إنّها بوصلةٌ لن يُزيحَها أحدٌ عن درب المقاومة والتحرير والتصدِّي للأخطاء والخطايا. وهي لا تُميِّز بين عربي وكردي، وسنّي وشيعي، ومسيحي ومسلم ويهودي وبوذي...،، ولا تعلي واحدًا على آخر، وتَرفض أن يحتكر أحدٌ تمثيلَ أيٍّ من الأطراف.
والواضح أنّ زكّو كتبتْ مقالَها قبل أن تستمعَ إلى فخري كريم يُرسل اتهاماتِه وشتائمَه الفضائية عبر الآي. أن. بي. و"العربية." ولو فعلتْ لأدركتْ أنّ مَنْ تُدافع عنه في مقالها (الذي يتظاهر بالحياد والموضوعية) "انجرَّ" فعلاً إلى معارك كلامية، ولطالبتِ الطالباني بأن يَضْبطَ بوصلةَ مستشاره بالذات! فالسيد كريم لم يَسْتخدم القضاءَ ترفُّعًا عن السّباب كما توهّمتْ، بل سلاحًا إضافيّاً لترهيبي، وتخويفِ كلِّ مَنْ يريد الاشتباهَ في أيّ أمرٍ يخصُّ "أدوارَه الملتبسةَ" ويخصّ ماضيَ حكّام العراق "الجديد" وحاضرَهم. وبمناسبة الكلام على الليبرالية العربية، فإنّه كان ينبغي على مقدِّمَي البرنامجيْن على المحطّتيْن المذكورتيْن أن يستضيفاني، كما استضافا رافعَ الدعوى، أو أن يستضيفا أحدَ الموقِّعين على "ميثاق الشرف" أو على بياناتِ التضامن مع "الآداب". هكذا يكون "الكلامُ الموزونُ" أيُّها الزميل طانيوس دعيبس من الآي. أن. بي، وهكذا تكون "الإضاءاتُ" الحقيقيةُ أيُّها الزميل تركي الدخيل.
سهيل سامي نادر. شكرًا يا أخ سهيل. فقد اعترفتَ بأنّ كلَّ ما ذكرتُه في افتتاحيتي (وإنْ أسمَيْتَه شتائم) يكرِّر ما سبق أنْ ذَكَرَه رفاقُ كريم من الشيوعيين، الذين تؤكِّد أنّ بعضَهم "أصبح في خدمة الدكتاتور وأجهزته." وهذا ما قلتُه أنا بالضبط . ثم تتابع فتسأل السؤالَ المنطقيَّ التالي: لماذا سَكَتَ فخري عن "شتائم رفاقه" وانتفَضَ ثأرًا لكرامته من "شتائم" سماح؟ وبدلاً من أن تجيب عن ذلك، كرّرتَ تلك المقولةَ الشوفينيةَ المتهافتةَ عن رغبتِنا (؟) في "تعطيل الحياة العراقية." المبتَكَرُ الجديدُ في أطروحتكَ، الذي يميِّزك من كتّابٍ سبقوكَ أقلَّ موهبةً، هو أنَّك تتّهمني (مع "مَنْ هبَّ ودبّ") باستخدام الاحتلال "حجّةً" لهذا التعطيل.
يا سلام! هكذا تَحوّلَ الاحتلالُ، على يد سهيل نادر، إلى محضِ "حجّةٍ" لتعطيل الحياة العراقية، لا إلى السبب الأبرز (ولا نقول الأوحد) لهذا التعطيل. المشكلة، إذنْ، تَكْمن فينا نحن فقط، لا في الاحتلال. ومن أجل بلوغ هذا الاستنتاج المبتكَر زعم نادر أنّنا (أيْ أنا و"جوقةَ الديماغوجيين") نَعْتبر "أنّ كلَّ ما في العراق... هي عميلةٌ [الصواب هو عميلٌ] للاحتلال ويجب أن تختفي [يختفي]"! وهو ما لم نَذْكره البتةَ، وكيف لنا أن نفعلَ ذلك ونحنُ من أنصار المثقفين الأحرار والمقاومين الأحرار داخل العراق؟!
ثم إنّ الأخ نادر يُقرّ بأنّه حاول أن يُقْنع زميلَه بعدم إقامة المهرجان "بسبب الوضع الأمني أولاً..." ويرى أنّه من المحتمل أن يكون وراء المهرجان سعيًا "مبدئيّاً" إلى "احتواء المثقفين العراقيين والعرب." وهذا أيضًا ما قلناه، بل نحن ذَكَرناه في صيغة تساؤل، وعلى لسان الشاعر سعدي يوسف. فلماذا ثورة كريم وزملائه علينا؟
وبعد أن اخترع نادر الإجابةَ عن سؤالٍ لا يَتْبع منطقيّاً تسلسلَ أفكاره في المقدّمة، طَرَح سؤالاً آخر: ما الذي دفعني، أنا "المثقفَ الجديرَ بالاحترام،" إلى كتابة تلك الافتتاحية؟ وإذا بإجابته مبتكرةٌ من جديد: فهو يدّعي أنِّي أؤكّد من خلال افتتاحيتي في الربيع الماضي مواقفي السياسيةَ "داخلَ خريطة توزيع القوى السياسية في لبنان." يعني، واللّه العظيم، لو فكّرتُ فعلاً في نَسْجِ هذه المؤامرة، لما نجحتُ في الوصول إلى ما قاله نادر. فعن أيّ "خريطة" يتحدّث؟ وهل يَعْلم أنّني، رغم تأييدي المطلق للمقاومة ضدّ إسرائيل، ضدُّ فريقَيْ 14 آذار و8 آذار معًا، وإنْ بنِسَبٍ متفاوتة؟ فأين موقعي داخل تلك "الخريطة" اللبنانية، إذن؟ جوابي: أنا، و"الآداب"، بعيدان من الاصطفافات اللبنانية الحالية، وأعملُ شخصيّاً مع أفرادٍ قلائل في أطرٍ صغيرةٍ غيرِ حزبية، ومنها: "حملةُ المقاومة المدنية" و"حملةُ مقاطعة داعمي إسرائيل" و"نادي الساحة الثقافي."
ومع ذلك، ففي مقال الأخ نادر ما هو جديرٌ بالسِّجال والتفصيل والتطوير، رغم ارتداده، كلّما دقّ الكوزُ بالجرّةِ كما نقول، للدفاع عن زميله. نعم، "إنّ واحدةً [الصواب: واحدًا] من إشكالات المقاومة ضدّ الاحتلال هي [الصواب: هو] وجودُ ماضٍ سياسي واجتماعي يعيق بناءَ مقاومة وطنية." نعم، الماضي ثقيل بلا شكّ: ثقيلٌ على المقاومات في فلسطين ولبنان، وفي العراق بشكلٍ خاصّ. ولكنْ كيف نبني المقاومةَ الوطنيةَ، أي المقاومةَ الشاملةَ، غيرَ الطائفية، المؤْمنةَ بحقوقِ كافّةِ مكوِّنات المجتمع (اللبناني أو العراقي أو الفلسطيني،...) في العيش بكرامة؟ أيكون ذلك ببناء الدولة؟ عال، ولكنّ بناءَ الدولة لا يكون في وجود الاحتلال، ولا بالتحالف معه، ولا بمسايرته أو تبريره أو اعتباره مجرَّدَ "حُجّة،" ولا بتنفيذ مهامّه في ضرب أفراد المجتمع بعضِهم بعضًا، ولا بتقسيم البلاد! بناءُ الدولة لا يكون منفصلاً عن تحريرِها من الاحتلال (ألا يُفترض أن يكون ذلك من "البديهيات" كما تسمِّيها يا دكتور؟). المقاومة أساسٌ من أُسُس بناء الدولة، شرطَ أن تتحوّل هذه المقاومةُ إلى حركةِ تحرُّرٍ وطني: فلا تنحصرَ في السلاح وحده (على أهميّته الفائقة)، ولا في فئةٍ أو طائفةٍ أو مذهب، بل تتّخذ أبعادًا اجتماعيةً وثقافيةً واقتصاديةً ونسائيةً وشبابيةً، إلخ... وإلاّ أكَلَ السلاحُ المجتمَعَ، بدلاً من أن يحرِّره. أما أن يكون خطابُ "الدولة" و"المجتمع المدني" و"الحقوق" بديلاً من خطاب "المقاومة" و"التحرير" و"الاستقلال،" فهذا ما قد يقوِّي النزعاتِ القاعديةَ والصدّاميةَ التي تخشى منها يا د. نادر: فالناس يحتاجون إلى الاستقلال والتحرير، وإلى السيطرة على مواردهم ومتاحفهم ونفطهم وأرضهم؛ وإذا كانت "القاعدةُ" أو "قواتُ صدّام" تقاوم الأميركيين (رغم عشرات الخطايا والعيوب والجرائم والتفجيرات المدانة بشدّة)، وكان العلمانيون والشيوعيون "الرسميون" في المقابل مستنكفين عن المقاومة بذريعةِ "بناء الدولة" أو كراهيةِ عودة النظام البائد، فماذا تتوقّع؟ أَتَسْتبعد أن يصبح البعبعُ القاعديُّ والصدّاميُّ الذي تُخيف به الناسَ حقيقةً جديّةً؟ بل أتستبعد أن يأتي يومٌ يتحالف فيه البعبعُ المذكورُ، بعد أن تَقْوى شوكتُه بسبب تخاذلِ بعض "اليسار،" مع الاحتلال... وعلى حسابكم أنتم بالذات؟
كاظم حبيب. يتّهمني د. حبيب بقيادةِ حملةٍ يُسْهم فيها الصدّاميون واليمينيون. والحقّ أنّ بإمكان القارئ أن يتحقّق من صحّة هذا الزعم بعد قراءة أسماء الموقِّعين. وأنا شخصيّاً لم آتِ بواحدٍ منهم في أيِّ حال، ولستُ مسؤولاً عن توجُّهات أيٍّ كان، علمًا أنّ ذروة التفكير اليميني هي تبريرُ الاحتلال الأميركي. فالحملة نَبَعَتْ من أماكنَ عدة (لبنان، تونس، مصر، الأردن، الولايات المتحدة، فرنسا،...)، وبفضل أشخاصٍ متفانين، وبعضُهم لا أعرفه ولم ألتقِه ولو مرةً في حياتي. وقد انحصر دوري في نقل الموادّ المنشورة إلى الموقع الذي استَحْدَثَهُ لي بعضُ المتعاطفين والمتضامنين (ومن دون رواتب كما يَفْعل الآخرون). بل كنتُ أحرص على أن أطلبَ إليهم، عند وضع المقالات أو التعليقات على الموقع، أن يُزيلوا أيَّ سبابٍ أو تخويناتٍ تُطاول أحدًا، حرصًا على المستوى الأخلاقي الذي تميّزتْ به مجلّتُنا، وتفاديًا أن ينحرفَ النقاشُ عن أرضيّته الثقافية ـ السياسية.
وبالمناسبة، فإنّ تهمةَ "الصدّامية" يا د. حبيب باتت منذ زمنٍ بعيدٍ تهمةً ممجوجةً في بعض الأحيان، ولاسيّما حين يُرمى بها مَنْ لم يُدافعْ عن صدّام يومًا في حياته (أتحدّاكَ أن تجدَ لي مديحًا واحدًا قلتُه في النظام السابق). صديقي نورمن فنكلستين تحدّث في ما مضى عن "صناعة الهولوكوست"؛ واليومَ أزعم أنّ ثمة منذ أعوام "صناعةَ الصدّاميّة،" وعقيدتُها: تحدَّثْ أيُّها الإنسان عن جرائمِ صدّام (وهي موجودةٌ طبعًا ومريعةٌ ومقيتةٌ بالفعل...)، ولكنِ اسكُتْ عن كلِّ أمرٍ آخر! وبكلامٍ آخر: تحدّثْ عن مقابرِ صدّام الجماعية، وعن حلبجة، وعن الأنفال، وعن غزوِ الكويت (وكلُّها أمورٌ شجَبتُها شخصيّاً في عشرات المناسبات)... ولكنِ اسكُتْ عن الاحتلال الأميركي، وعن مساوئ القيادة العراقية الجديدة، وعن الاقتتال الكردي ـ الكردي السابق وتعاوُنِ الطرفيْن مع صدّام، وعن مجزرة بشت آشان، وعن وجود الموساد في كردستان ـ العراق.
وهكذا تحوّلتْ مظالِمُ العهد القديم إلى أداةٍ لفسادٍ جديدٍ ومظالمَ جديدةٍ. والذريعة؟ جرائمُ صدّام بحقّ الأكراد والشعب العراقي عامةً. الضَّحَوِيّة، والاستثنائيةُ أو الفرادةُ (الصدّاميةُ) في الوحشية، تُضْحِيان، إذن، ركيزتيْن لمظالم العهد العراقي الجديد... بغضّ النظر عن الفوارق في المظالم.(6) وإنْ حَدَث أنْ تكلّمتْ صحافيةٌ تركمانيةٌ عراقيةٌ كنرمين المفتي على الفساد الجديد، استُدعيت للمحاكمة.(7) وإنِ انتَقَدتْ مثقفةٌ وروائيةٌ كرديةٌ عراقيةٌ كهيفاء زنكنة "العمليةَ السياسيةَ" في العراق الجديد، رُميتْ بالصدّامية. وإنْ كَتَبَ مايكل روبن، الصحافيُّ الأميركي، عن الفساد المالي لدى البارزاني والطالباني، رَفَعَ هذا الأخيرُ دعوى ضدّه وضدّ الجريدة الكردية التي نَشَرَتْ تقريرَه (جريدة هولاتي، 13/1/2008) بتهمة التشهير والإساءة. (وبالمناسبة، ألاّ تذكِّركم دعوى الطالباني على روبن في كردستان بدعوى مستشارِه عليَّ في بيروت؟)
بالعودة إلى د. حبيب، فإنِّي سأتجاوز الخياريْن اللذيْن وَضَعَهما أمامي لأنّهما لا يمتّان بصلةٍ إلى الدعوى المرفوعة ضدّي كما فهمتُها على الأقلّ: فليس ما تَطْلبه الدعوى الاعتذارَ (وهذا هو الخطأُ عينُه الذي وَقَعَ فيه حازم مبيضين أيضًا)؛ ولا "سحْبَ الاتّهامات" (علمًا أنّني لم أتّهمْ بل طلبتُ من الصحافيين الذين ذَهَبوا إلى كردستان أن يتحقّقوا ممّا يُروى ويُكتب دومًا عن مصير أموال الحزب الشيوعي العراقي ومجلّة "النهج"...). أقول: سأتجاوز "خيارَيْ" حبيب من أجل مناقشته في مفهوم النقد الذي يَطْرحه. فكاظم حبيب يَفْضح تهافُتَ الديموقراطية التي ينادي بها حين يُبيح لي نقدَ التجربة الكردستانية إنْ كان "يتضمّن الروحَ الموضوعيةَ والبنّاءةَ،" وليس كما ورد في "[مقالي] المنشور في... الأديب [كذا]." يا حبيبي على هذه الديموقراطية الحبيبيّة! وأهلاً وسهلاً بالنقد "الموضوعي" و"البنّاء" الذي لا يختلف كثيرًا، بالمناسبة، عن "النقد المُباح" في دعوى السيد كريم!
وبالانتقال إلى حديث كاظم حبيب عن علاقة كردستان بإسرائيل، فإنِّي أذكِّره بأنّ رئيسَه الطالباني قال في مركز صابان لدراسات الشرق الأوسط (معهد بروكِنْغز) في 9/9/2005 ما ترجَمَتُه حرفيّاً عن الإنكليزية: "لا أعتقد أنّ هناك أيَّ رفضٍ للاستثمار [الإسرائيلي] في العراق... نحن الآن في اقتصادٍ حرّ، وبلدٍ حرّ... لا عداوةَ في العراق، وأعتقد أنّ العراق بلدٌ معتدل، ولكنّ العراق ينتظر أن يصل الفلسطينيون إلى اتفاقٍ مع إسرائيل، [وحينَها] سيسهِّلُ ذلك العلاقةَ بين الحكومة العراقية وإسرائيل. وأحبّ أن أقولَ لكَ [للصحافي الإسرائيلي آراد نِيرْ] إنَّنا لسنا فلسطينيين أكثرَ من الفلسطينيين أنفسِهم." وأحيل أيضًا الزميل حبيب على ما أوردتْه مصادرُ كثيرةٌ في هذا الصّدد، وبخاصةٍ "هاآرتس" و"يديعوت أحرونوت" وموقع "ماذِرْ جونز". بل وأُعيد تذكيرَه بما قاله رئيسُ مكتب الموساد السابق في أربيل السيّد أليعازر جيزي تسافرير، وما قاله ابنُ الطالباني نفسُه الذي اعترف بالوجود الإسرائيلي هناك ولكنّه حَصَرَه بـ "القطاع الخاصّ." ولكنْ رغم ذلك كلّه، فإنّ حبيب يَزْعم أنّ ما أقولُه "محضُ افتراءٍ" مردُّه "الحقدُ على الفدرالية الكردستانية." أفيعني ذلك أنّه ضدُّ العلاقة مع إسرائيل؟
لو كان ذلك صحيحًا لتجاوزتُ كلَّ ما قاله ضدّي. غير أنّه لا يلبث، بعد أن توهَّمَ أنّه دَحَضَ "فريتي،" أن يتساءل، وبشيءٍ من الصلافةِ التي تذكِّر بصلافةِ أبي أرز (تنظيم حرّاس الأرز) وسمير جعجع وسعد حدّاد وأنطوان لحد: "وماذا في ذلك [المقصود العلاقة الكردية بإسرائيل]؟ هل نسي السيّد سماح إدريس أنّ مصر تقيم أوسعَ العلاقات... مع إسرائيل...؟ هل غابت عنه علاقاتُ أريتريا... بإسرائيل... وعلاقاتُ دولة قطر...؟". واضحٌ أنّ الأخ كاظم يَجْهل أو يتجاهل أنّ "الآداب" تعادي كلَّ السياسات التطبيعية التي تُقيمها مصرُ والأردنُ وأرتيريا والمغربُ وقطر والسلطةُ الفلسطينية (بل وبعضُ المثقفين العرب)، وأنّها لا تنفكّ تهاجمها بأقسى العبارات. فهل كانت "الآدابُ" ستنسجم مع نفسها لو سَكَتتْ عن تطبيع العراق مع دولة الكيان الصهيوني أو عن تبريرِها لذلك التطبيع؟!
ثم إنّه يعود إلى الأساطير الصهيونية عن "رمي إسرائيل في البحر" (أين جاء ذلك في افتتاحيتي بالمناسبة؟)، ويتبنّى "الحلَّ الواقعي" للصراع العربي ـ الإسرائيلي: التخلُّص من المستوطنات الإسرائيلية على الـ 22% من المساحة الباقية من فلسطين! نعم، الحلُّ الواقعيُّ عنده هو حصرُ القضيةِ الفلسطينية والصراع بأَسْرِه بـ 22% من فلسطين، ولا ذِكْرَ لملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في مخيّمات الشتات، ولا للقدس، ولا للأپارتهايد الإسرائيلي داخل حدود فلسطين 1948 نفسها، ولا للجولانِ وشبعا وكفرشوبا، ولا للمياهِ المسروقة من الجنوب اللبناني، ولا لآلافِ الأسرى القابعين في السجون الإسرائيلية، ولا لأكثر من مليونٍ ومئتيْ ألف قنبلة عنقودية في جنوب لبنان، ولا لملفِّ التعويضات، ولا للمشروع الصهيوني ـ الأميركي برمّته! فذلك كلُّه خارج "الحلّ الواقعي،" لأنّ الحلّ الواقعي برأيه هو القبول بالاحتلال في فلسطين... كما في العراق.
المسألة الأخيرة، وهي لُبُّ مقالة حبيب ومبرِّرُ كتابتها أصلاً، هي الدفاعُ عن كريم بوصف حبيب "عضوًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي." وهو من هذا الموقع يبرِّئ "صديقَـ" ـه من أيّ "ادّعاءٍ وقحٍ،" ويدعو قيادةَ حزبه إلى تبرئته أيضًا. وبذلك، يتجاهل حبيب كلَّ ما صَدَر على لسان شيوعيين عراقيين آخرين بحقّ الزميل كريم: ومنه ما ذَكَره رحيم عجينة في كتابه الصادر قبل عشر سنوات عن تحويل "النهج" من ملْك حزبي إلى ملكٍ يخصّ كريمًا وحدَه؛(8) أو ما ذكره بيانُ الحزب الشيوعي العراقي ـ المقاومة الشعبية (في 8/1/2008) الذي يُعلن "طَرْدَ فخري كريم وحميد مجيد ومفيد [الجزائري] وزمرتِهم من صفوف حزبنا"؛ أو ما أوردتْه عشراتُ المصادر الأخرى التي ذَكَرْتُ بعضًا منها في ردِّي المعنْوَن "الثقافة وذاكرةُ الناس" (راجع الصفحات السابقة من هذا العدد من "الآداب")؛ أو ما أورده سالم حسّون.(9) وهذا لا يعني بالطبع أنّني أتبنّى بالضرورة كلَّ ما جاءَ في تلك المصادر، وقائعَ ونبرةً، وإنّما ينبغي في رأيي على كلِّ مَنْ ذَهَبَ إلى مهرجان "المدى" أن يأخذَها في الاعتبار، فيتحقَّقَ من صحَّتِها أو تهافُتِها.
حازم صاغيّة. يحتفي الزميل صاغيّة بالقانون كأنَّه صنمٌ مقدَّس. فهذا المثقف، الذي يُفترض أن يكون نقديّاً، يسلِّم بالمحكمة الدولية في جريمة قتل الحريري، ويسلِّم بالقانون الدولي، ويسلِّم أيضًا بمبدإ احتكار الدولة لأدوات العنف...، بل ويَعتبر كُلَّ مَنْ لا يسلِّم بها جميعِها مُحَكِّمًا للفوضى. ولكنْ ما هو دورُ الثقافة النقدية، يا سيّد حازم، إنْ لم يكن طَرْحَ السؤال الدائم عن عدالة بعض القوانين والتشريعات، وعن مدى ملاءمتِها للإنسان والمجتمع؟ هل دورُ المثقف النقدي هو مسايرةُ السائد والأعراف، والالتزامُ بالتشريعات من دون نقدٍ أو رغبةٍ في التغيير ولو بعد حين؟ وهل ينحصر دورُ المثقف النقدي في نقدِ حزب اللَّه وسورية والأصولية (غيرِ الوهّابية طبعًا) والمقاومة (باستثناء "الصّحوات" العراقية)؟
لقد كانت الأعرافُ التمييزيةُ الأميركية، التي تقوننتْ في تشريعاتٍ فيدرالية، تَقْضي مثلاً بأن يُفْصَلَ الأَسْوَدُ في الولايات المتحدة عن الأبيض، وأن تكون لكلٍّ منهما مقاعدُ خاصةٌ، وممرّاتٌ خاصّةٌ. لكنْ، حين رَفَضتْ روزا پاركس أن تُخْليَ مقعَدَها في الباص لأحدِ البِيضِ في ولاية ألاباما، شَكّلَ ذلك شرارةَ عصيانٍ مدنيٍّ وحملةِ مقاطعةٍ لنظام الباصات، وأدّى ـ من بين تحرّكاتٍ كثيرة أخرى ـ إلى إجراءاتٍ جديدةٍ طاولت القوانينَ والتشريعاتِ التمييزيةَ نفسَها. تصوَّرْ يا سيّد صاغيّة لو أنّ پاركس أو مارتِنْ لوثر كينغ الابنَ خَضَعا للقوانين كما هي، فهل كان سيَحْدث أيُّ تطوُّرٍ في المجتمع الأميركي؟ أو تصوّرْ لو قَبِلنا بالإجحاف الذي يُطاول المرأةَ في دساتيرنا. أو تصوَّرْ لو أنّنا واصلنا الإذعانَ لضرورة "عدم الإساءة إلى دولة شقيقة" أو "عدمِ إثارة النعرات الطائفية،" إذنْ لكان ممكنًا أن يندرجَ أكثرُ ما يُكْتب في لبنان ضدّ الرئيس بشّار الأسد وحزبِ اللّه ضِمْنَ ذلك! فهل تريدُنا أن نُطالِبَ مثلاً بـ "تحكيم القانون" في لسانِكَ "الذي أَفْلَتَ من عقاله" (على ما تُطالِب بأن يَحْدث لي) كلّما كتبتَ ضدّهما؟ وهل كنتَ في هذه الحال ستَكْتب ما تظنّه خلخلةً للسائد... بغضّ النظر عن أنّكَ لا تمارِسُ هذه الخلخلةَ إزاء السعودية التي تَكْتب بشكلٍ دائمٍ في صحافتها؟ تُرى مَنْ هو "حارسُ المقدَّس" في هذه الحال: موقِّعو "ميثاق الشرف" الذين يحاولون أن يوسِّعوا هوامشَ الحريّة الليبرالية التي تتشدّق بها زُورًا، أمْ أنتَ الذي تَقْبل "القوانينَ" (وضِمْنها "القانونُ الدولي") على علاّتها وتحرِّضُ السلطةَ القضائيةَ على كبح الألسنة "الفالتة"؟ وما هو معيارُكَ لفلتانِ الألسنة، بالمناسبة: أهو التساؤلُ عن مصيرِ أموالٍ قال كثيرون قبلي إنّها حُوِّلتْ عن مَجْراها، أمْ شتمُ المقاومة ونعتُها بالإرهاب مثلاً؟
دلال البزري. الزميلة دلال تقوِّلني ما لم أَقُلْه. فافتتاحيتي لم تحمِّل المسؤوليةَ للمشروع الأميركي ـ الصهيوني وحده كما تَزْعم، بل كانت غايتُها الأساس نقدَ أدعياءِ "الوعي النقدي،" أصحابِ المعايير المزدوجة والعيونِ المغمضة عن أمورٍ دون أمور. كما أنّ افتتاحيتي لم ترمِ بمسؤوليةِ "الوضع المزْري" في كردستان على كاهل فردٍ واحد (لم يتجاوزْ حديثي عنه في الواقع، كما سبق الذكر، بضعَ كلماتٍ أو سطور)، ولم تتّهمْ منظِّمَ مهرجان المدى "بإخفاء حقائق كردستان عن مئاتٍ من المثقفين المدعوِّين" (من أين جاءت دلال بهذه التهمة؟)، ولم تَصِف السيِّد كريم بأنّه "عميلٌ... غيرُ نظيف" (وَضَعت البزري ذلك بين مزدوجيْن لتوحيَ بأنّه من كلامي)، ثم إنّ فخري كريم لم يَرْفع الدعوى على دار الآداب بل على مجلة الآداب. وخلاصتُه أنّ الزميلة دلال تستحقّ أن تتقاسم جائزةَ "التشويه الفني" مع السيد حازم مبيضين... مع امتيازٍ إضافي: وهو أنّها تحاول، كعادةِ أيِّ موضوعيٍّ مزيَّف، أن تَضَع طرفَي القضية على مستوًى واحد، وأن تتعالى عليهما كليْهما لصالح "تصوّرٍ واقعي." وما هو هذا التصوّر؟ إنّه اكتشافُها المذهل أنّ المقاومين ليسوا كلُّهم أخيارًا شرفاء، وأنّ غيرَ المقاومين ليسوا كلُّهم أشرارًا مشبوهين!
وأخيرًا، فإنّه من الطريف أن تقارِنَ السيّدة دلال "سلطةَ" موقِّعي ميثاق الشرف بسلطة كريم. فالحقّ أنّ الأخير يستمدّ سلطتَه من رئيسه، الذي هو رئيسُ بلدٍ بأكمله، مؤسساتٍ وموظّفين وأموالاً. وأما "سلطةُ" موقّعي الميثاق فهي سلطةٌ رمزيّةٌ في أقصى الأحوال، ولا سيّما أنّ أحدًا منهم لم يعد في موقع السلطة الفعليّة الحاكمة. والأطرف أن تَعتبر دلال أنّ "جميلَ مجلةِ إدريس" قد فرَضَ سلطتَه على موقِّعي الميثاق، من دون أن تلاحظَ أنّ الغالبيةَ الساحقة من هؤلاء (حوالى 550 اسمًا) لم يكتبوا كلمةً في "مجلة إدريس" أو نَشروا شيئًا في دار الآداب أو قَبضوا قرشًا منهما.
* * *
كانت تلك ردودًا سريعةً على بعض منتقدي افتتاحيتي. وكنتُ أرغب في أن أساجلَ زملاء آخرين لو لم أنغمسْ في ترتيبات وداع مؤسِّس "الآداب"، ولو لم أكن مضطرّاً إلى دَفْع المجلة إلى المطبعة بعد تأخُّرها عن الصدور أسابيعَ عديدةً. ولكنِّي سأكتفي هنا بالردّ السريع على بعض الطرائف السريعة:
ـ ياسين النصيْر يوجِّه إليّ، بعد إحدى وعشرين علامةَ تعجُّبٍ بالتمام والكمال، تهمةً جديدةً، هي الحَسَد... متبوعةً بأربع علامات تعجُّبٍ إضافية. فهل يعتقد ياسين حقّاً أنِّي أحسد الزميل فخري كريم على منصبه مستشارًا لرئيسٍ تحت الاحتلال، وعلى كلّ ما يُكتب ضدّه من أربع جهات الأرض؟!
ـ نصيف فلك زعم أنّني نصّبتُ نفسي "مفتيًا لديار الثقافة العربية،" وشبّهَ "فتاوايَ" بفتاوى أيمن الظواهري، واتّهم سعدي يوسف بالطائفية، وسمّى وائل عبد الفتّاح "وائل عبد اللطيف." لكنّ الأظرفَ هو تبريرُه مجيءَ العراقيين "المنفيين" على الدبّابات الأميركية بأنّهم لم يكونوا قادرين على أن يمشوا آلافَ الكيلومترات من خارج العراق... على الأقدام! وهو أيضًا يَسْخر من مصطلح "الوطن العربي" الذي أَسْتخدمه دومًا بقوله إنّه "خطأٌ شائع... وفضيحةُ جهلٍ مدقعٍ بالتاريخ"!
ـ كاظم الواسطي يعزو "تحامُلي على التجربة العراقية الجديدة ورموزِها الثقافية" إلى "تداعي مؤسَّسة... كانت راعيةً" لأمثالي من المثقفين، "تُغْدق عليهم وعلى مشاريعهم..." ولكنّه لا يسمِّي تلك المؤسّسة. وقد جهدتُ في أن أخمِّن هويَّتَها، فلم أستطع. عسى أن يُفصحَ عن ذلك في المرة التالية، وأَعِدُه بأن لا أرفع ضدّه دعوى قدحٍ وذمّ.
ـ خالد سليمان يدافع عن مشروع "كتاب في جريدة" وهو يقصد "كتاب المدى للجميع"! وهو يدعو إلى سحب الدعوى المرفوعة ضدّي شرطَ أن أعتذرَ إلى السيد كريم وأن أسحبَ "الاتهامات" التي وجّهتُها إليه من دون حقّ يُذْكر. وردِّي، من جديد، هو أنّ المسألة ليست شخصيةً لكي أعتذر، وأنّ ما كتبتُه لم يكن اتهاماتٍ بل تنبيهٌ إلى معلوماتٍ أو اتّهاماتٍ كثيرةٍ قرأتُها في عشرات المقالات التي لم يَرْفعْ كريم دعوى ضدّ أيٍّ من أصحابها.
ـ وقبل بضعة أسابيع نشرت الزميلة "المدى" بيانًا جاء فيه ما يلي (راجع ص 168): "ويواصل سماح إدريس ومَنِ التفّ حولَه، مِنْ أمثال خير الدين حسيب ومعن بشّور ونجاح واكيم وزُمَرِ عناصر المخابرات العراقية السابقة والمستفيدين من مدفوعاتها، الحملةَ...". إنَّني أضع هذه الأقوالَ برسم كلِّ مَنْ صدَّق حساسيةَ فخري كريم الفائقة وتعاليَه عن "القدح والذمّ."
ـ وقبل أيّام شَجَبَ أكثرُ من مئة "برلماني" و"سياسي" عراقي "تطاوُلَ سماح إدريس على التجربة العراقية الجديدة ورموزِها الوطنية، والتمجيدَ والتطبيلَ لنظام البعث وجرائمِه النكراء..." (ومن بين الموقِّعين: حميد مجيد موسى ومثال الألوسي ووائل عبد اللطيف ـ... الآن فهمتُ سببَ خطإ نصيف فلك). فإذا سَلَّمْنا جدلاً بأنّني "تطاولتُ" على هذه التجربة و"رموزِها الوطنية،" فأين في افتتاحيتي التمجيدُ والتطبيلُ لنظامِ البعثِ يا ترى؟ أمْ أنّ البرلمانيين والسياسيين المذكورين يوقِّعون من دون أن يقرأوا؟
وما زالت "المدى" تَنْشر كلَّ يومٍ تقريبًا مقالاً أو أكثرَ ضدّ "الآداب"، وضدّي، وضدّ سهيل إدريس نفسه (بعد رحيله) أحيانًا، وتتّهمنا بالتُّهم المضحكةِ نفسِها. إلاّ أنّنا واثقون بأنّ المثقفين العراقيين، عربًا وكردًا، بمن فيهم بعضُ مَنْ كَتَبوا ضدّنا، لا يصدِّقون تلك التّهمَ، ويَعْلمون أنّ "الآداب"، في عهد مؤسِّسها المعلِّم الراحل الكبير، وفي عهدي شخصيّاً منذ العام 1992، كانت وتبقى إلى جانبهم وإلى جانب العراق، حرّاً ومستقلاً وتعدُّديّاً ومقاوِمًا للاحتلال وللصهيونية.
1 ـ راجع: سماح إدريس، "على طاولة جوزيف سماحة،" الآداب 3 ــ 4/2007، ص 92.
في برنامج "إضاءات" الذي يقدِّمه تركي الدخيل على قناة العربية (1/2/2008)
2 ـ يقول كريم حرفيّاً: "حصلتُ عليها [الكوبونات] عن طريقِ صديقٍ له [أيْ لبريمر] قريبٍ من هذه الوثائق، استطاع في ليلةٍ ظلماءَ أن يَسْحبها ويصوِّرها ويعيدَها إلى مكانها. وبعد ذلك جرى الإقفالُ عليها بشكلٍ مطلق." فتأمّلوا!
3 ـ المصدر السابق.
4 ـ المصدر السابق.
5 ـ سماح إدريس، "اعتذار،" الآداب 3/4، 2004، ص 1 و96.
6 ـ لعبةُ الفوارق ليست ممّا يَجْدر بالمثقفين أن يلتفتوا إليه كثيرًا. فليس واجبُهم المقارنةَ بين حلبجة والأنفال من جهة، وجرائم الاحتلال الأميركي بعد 2003 أو أثناء الحصار. ذلك لأنّ المسألة ليست مسألة أرقام، بل مسألةُ ظلم.
7 ـ نرمين المفتي هي رئيسةُ تحرير صحيفة "القلعة" التركمانية. وقد أصدر مكتبُ الطالباني قرارًا بمحاكمتها وتغريمها مبلغًا قدرُه نصفُ مليار دينار عراقي بسبب نشرها خبرًا عن راتب الطالباني ومخصّصات مكتبه وعدد مستشاريه، وذلك في 31/7/2006. راجع: أوميد كوبرولو، "مع نرمين المفتي www.turkmendivari.blogcu.com. ضدّ قرار الطالباني،" 7/5/2007، موقع
واقرأْ مقالَ هيفاء زنكنة، "رواتبُ الرئيس ومستشاريه من المثقفين العراقيين المعروفين،" وقد ظهر في جريدة "القدس العربي"، لكنّني قرأتُه على الموقع التالي: www.turkmenfriendship.blogspot.com
8 ـ د. رحيم عجينة، "الاختيارُ المتجدِّد: ذكرياتٌ شخصيةٌ وصفحاتٌ من مسيرة الحزب الشيوعي العراقي" (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1998)، ص 287 ـ 289.
9 ـ "مشروع ردّ من اللجنة المركزي للحزب الشيوعي العراقي على الرفيق فيصل لعيبي،" (15/3/2006)، موقع الحوار المتمدّن وجاء فيه حرفيّاً: "أما الرفيق فخري كريم فكان أذكاهم [أيْ أذكى الشيوعيين العراقيين]. فقد احتفظ بملايين الدولارات التي مَنَحَتْها قيادةُ اليمن الجنوبي للحزب الشيوعي العراقي، وأسّس بهذه الأموال فيما بعد إمبراطوريةَ المدى... بدون أن يجرأ أحدًا [الصواب: يجرؤ أحدٌ] من القادة على النبس ببنتِ شفة لأنّ فخري كريم كان يحتفظ بأوراقهم السريّة، وما خُفي فيها فهو أعظم!"
بيروت